ابن المقفع
139
آثار ابن المقفع
واعلم أن الأدب يذهب عن العاقل الطيش ، ويزيد الأحمق طيشا ، كما أن النهار يزيد كل ذي بصر نظرا ، ويزيد الخفاش « 1 » سوء النظر . فذو العقل لا يبطر من منزلة أصابها ، وإن تعاظم أمره وقدره ، ويكون عند ذلك كالجبل الذي لا تحركه الرياح الشديدة ، والسخيف كالعشب يحركه أدنى ريح . وقد أذكرني أمرك شيئا سمعته . فإنه يقال : إن السلطان إذا كان صالحا ووزراؤه وزراء سوء ، منعوا خيره ، فلا يقدر أحد أن يدنو منه . ومثله في ذلك مثل الماء الطيب الذي فيه التماسيح ، لا يقدر أحد أن يتناوله وإن كان إلى الماء محتاجا . وإنما الملك وزينته أن تكون جنوده ووزراؤه ذوي صلاح فيسددون أحوال الناس وينظرون في صلاحهم . وأنت ، يا دمنة ، أردت أن لا يدنو من الأسد أحد سواك ، وهذا أمر لا يصح ولا يتم أبدا ، وذلك للمثل المضروب إن البحر بأمواجه والسلطان بأصحابه . ومن الحمق الحرص على التماس الإخوان بغير الوفاء لهم ، والتماس الآخرة بالرياء ، ومودة النساء بالغلظة « 2 » ونفع النفس بضر الغير . وما عظتي وتأديبي إياك إلا كما قال الرجل للطائر : لا تلتمس تقويم ما لا يستقيم ، ولا تعالج تأديب ما لا يتأدب . قال دمنة : وكيف كان ذلك ؟ مثل القردة والطائر والرجل قال كليلة : زعموا أن جماعة من القردة كانوا ساكنين في جبل . فالتمسوا في ليلة باردة ذات رياح وأمطار نارا فلم يجدوا . فرأوا يراعة « 3 » تطير كأنها شرارة نار فظنوها نارا وجمعوا حطبا كثيرا ،
--> ( 1 ) الخفاش : الوطواط . ( 2 ) الغلظة : الجفاء ، خلاف الرقة . ( 3 ) يراعة : ذبابة مضيئة تطير في الليل .